الشيخ محمد رشيد رضا

519

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ربه ، فيما لا يملك هو ولا غيره من العبيد أسبابه ، دعواه مخلصين مقسمين له على ما وطنا عليه أنفسهما من الشكر له على هذه النعمة قائلين لئن أعطيتنا ولدا صالحا لنكونن من القائمين لك بحق الشكر قولا وعملا واعتقادا واخلاصا ، كما يدل عليه الوصف المعرّف * * * فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما اي فلما أعطاهما ولدا صالحا لا نقص في خلقه ، ولا فساد في تركيبه ، جعلا له شركاء في إعطائه أو فيما أعطاه بأن كان سببا لوقوع الشرك منهما أو ظهور ما هو راسخ في أنفسهما منه ، وسنبين معناه وقرأ نافع وأبو بكر ( جعلا له شركا ) أي شركة أو ذوي شرك ، فالمعنى واحد فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ اي تعالى شأنه عن شركهم ، فإنه هو معطي النسل بما خلقه لكل من الزوجين من أعضاء ، وقدر لهما في العلوق والوضع من أسباب ، لا فعل لغيره في ذلك البتة . وجمع الضمير هنا بعد تثنيته الافعال قبله لان المراد فيه بالزوجين الجنس لا فردين معينين : وقال الزمخشري : ان الضمير في ( آتَيْتَنا ) و ( لَنَكُونَنَّ ) لهما ولكل من يتناسل من ذريتهما . والآية على كل من القولين بيان لحال البشر فيما طرأ عليهم من نزغات الشرك الخفي والجلي في هذا الشأن وأمثاله ، والجنس يصدق ببعض أنواعه وببعض افراده فمثال الشرك الخفي في انعام اللّه عليهم بالنسل ما يسندونه إلى الأسباب في سلامة الحامل من الأمراض في أثناء الحمل أو في حالة الوضع ، وفي سلامة الطفل عند الوضع وعقبه وفيما بعد ذلك من الموت أو التشويه أو الأمراض ، كقولهم : لولا أن فعلنا كذا لكان كذا ، ولولا فلان أو فلانة من طبيب أو مرشد أو قابلة لهلك الولد أو لا جهضت أمه إجهاضا ، أو جاءت بسقط لم يستهل ، أو لمات عقب اسقاطه لعدم استعداده للحياة . وينسون في هذه الأحوال فضل اللّه تعالى عليهم بما منّ به من العافية والتوفيق وتسخير الأسباب من البشر وغيرهم ، وان كانوا ممن يذكرونها ولا ينكرونها إذا ذكروا بها - ذلك شأن كثير من الناس في كل نعمة تمسهم ، أو نقمة يدفعها اللّه تعالى عنهم ، وهذا الشرك ليس خروجا من الملة ، ولكنه نقص في شكر المنعم ، ويحتمل أن يكون المراد بالشرك هنا ترجيح حب الأولاد على حب اللّه تعالى وشغلهم للوالدين عن ذكره وشكره ، وإيثارهم لهم على